من أين بدأت رحلة السلام؟
من أكتر من 15 سنة، اخترت أشتغل في مجال بناء السلام.
بدأت الرحلة من اهتمام بقضايا السلام والمجتمع، ثم تحولت مع الوقت إلى تجارب ومبادرات وورش وعلاقات وطرق مختلفة للتعلم والعمل.
وفي كل محطة، كنت أكتشف أن السلام ليس مجرد فكرة نتحدث عنها، وإنما شيء يمكن أن نتعلمه ونمارسه ونبنيه مع الآخرين.
في البداية، كان السلام بالنسبة لي قضية تستحق الاهتمام. لكن مع الاحتكاك بالناس والعمل الميداني، بدأ السؤال يتغير.
لم يعد السؤال فقط: كيف نبني السلام؟
ولكن: كيف يمكن أن يتعلم الناس السلام؟
وكيف يمكن أن ننتقل من الحديث عن السلام إلى ممارسته في حياتنا وعلاقاتنا ومجتمعاتنا؟

في 2010، تم اختياري للالتحاق بدورة أكاديمية لمدة شهر في سويسرا عن تحويل النزاعات.
وهناك، بدأت أكتشف شغفي الجديد بمجال بناء السلام وحل النزاعات، وبدأت تتبلور لدي قناعة بأن السلام يمكن أن يكون مجالًا نتعلمه، وليس فقط قيمة نتحدث عنها،.
وعدت من السفر وأنا مستعد لعمل تغيير في مجال عملي من بناء البرمجيات لبناء السلام.

وفي أثناء بحثي عن دورات تدريبية تصقل من معارفي ومهاراتي في هذا المجال الجديد، نما إلى علمي عن وجود مبادرة محتضنة في جمعية نهضة المحروسة اسمها "مصريتي"، وعن إعلانهم عن عقد تدريب للميسرين في مجال بناء السلام.
وفي نهاية التدريب، اختار أعضاء الفريق مشاركين اثنين للانضمام للفريق، كنت -لحسن الحظ- واحدا منهما.

دوائر نسمع بعض، كانت محطة من المحطات الفارقة في رحلتي نظرا لما عايشته وقتها في الميدان، وقدرتنا كفريق باستخدام أدوات بسيطة على تنظيم دوائر حوارية كان يغلب عليها قبول واحترام الرأي الآخر، في وقت كان التوتر فيه سائدا، وكان العنف فيه غالبا على كل النقاشات من حولنا.

ومن خبرة دوائر نسمع بعض، وخبرات أخرى شبيهة، برزت فكرة تأسيس "سلمية" كحركة تهدف إلى نشر ثقافة السلام في المجتمع المصري، والتشبيك ما بين الأشخاص المهتمين بقضايا السلام، لتبادل المعرفة والخبرات، وخلق مساحات للتنسيق والتعاون.

"الواحد كان محتاج يسمع عن حاجة حلوة زي سلميه نظرا للظروف الحالية اللي مخليه الناس مش على بعضها .. مش فاهمين السلميه وقد إيه هي حاجة مهمة ليهم أولا وللمجتمع كمان. حلو جدا إن حركة سلميه موجوده علشان السلميين يعرفوا إنهم مش لوحدهم و يتشجعوا ما يخافوش يقولوا رأيهم وطريقة تفكيرهم. وجود ناس زيكم بيخللي الواحد حاسس بالأمان ومرتاح. الحياة جميلة والدنيا لسه بخير والله ... الحمد لله"
في سلمية، اعتمدنا على أدوات مختلفة لتيسير اللقاءات المتنوعة، ومنها أداة المجال المفتوح، والتي تسمح لكل المشاركين في لقاء ما من طرح أفكارهم وتخصيص الوقت لمناقشتها بأسلوب تشاركي.
وفي إحدى هذه الاجتماعات، طرح أحد الأعضاء فكرة تنظيم مهرجان فني للاحتفال بالسلام والتعايش، وبالفعل بدأنا العمل على تنظيم مهرجان "مصر تجمعنا"، والذي كان درسا جديدا على أهمية وقوة بناء الشراكات من أجل انجاح أي عمل مهما كان كبيرا بحجم تلك الفعاليات.

مع الوقت انتقلت الأفكار من النقاش إلى التجربة، من خلال تنفيذ مشروعات بناء القدرات للشباب على المشاركة المدنية ودعمهم في تطوير مبادرات مجتمعية تهدف لنشر ثقافة السلام والحوار في مجتمعاتهم المحلية. أعقب ذلك مشروعات لتمكين مجتمعات اللاجئين ونشر ثقافة التعايش بين المصريين وجاليات اللاجئين المختلفة، ومن بعدها كنت على موعد مع مشروعات ومبادرات لنشر ثقافة التعايش الديني.

بدأت تتشكل فكرة هندسة السلام كمنهج يجمع بين المعرفة والمهارات والأدوات المرتبطة ببناء السلام، والمعرفة والمهارات والأدوات المرتبطة بتكنولوجيا المعلومات.

بدعوة كريمة من القس أسعد طلعت، كاهن الكنيسة الإنجيلية في قرية بلنصورة بمركز أبو قرقاص، كانت أول زيارة للقرية في يناير 2018 للمشاركة والتهنئة بعيد الميلاد المجيد.
أعقب ذلك زيارات متعددة لبناء قدرات شباب الكنيسة على المعارف والمهارات والقيم ذات الصلة ببناء السلام والتعايش. ومن بعد تأسيس مركز السفينة، أصبح المجال متاحا لتنظيم المزيد من هذه الورش لتستهدف جميع شباب القرية.

وسط بيئة تشهد توترات ومشكلات طائفية بشكل متكرر، خرجت تجربة تعايش سلمي من قرية "بلنصورة" الصغيرة بمحافظة المنيا، اعتمادا على جهود شباب القرية من مسلمين ومسيحيين.
شاهدوا فيديو "سفينة التعايش" لتتعرف على حكاية أسعد وخليل، وحكاية مركز "السفينة" للثقافة والفنون والدعم النفسي.
25
محافظة
15
ورشة عمل
23
فيديو قصير
رحلات السلام هي زيارات وتجارب ميدانية تهدف إلى نشر المعرفة والمهارات والقيم المرتبطة بالسلام في محافظات مصر المختلفة، وعمل مزيد من التشبيك مع المهتمين بنشر ثقافة السلام.
وفي رمضان 2022، أخذت «رحلة السلام» إلى مستوى مختلف؛ خلال شهر واحد وصلت الرحلة إلى 25 محافظة من محافظات مصر، وقدمت خلالها -بالتنسيق مع شبكة تثقيف الأقران- 15 ورشة عمل مع أعضاء الشبكة في المحافظات المختلفة حول أدوات التواصل السلمي، كما قمت بتوثيق الرحلة من خلال 23 فيديو قصير تحدثت فيهم عن السلام كما عشته في كل ركن من أركان المحروسة.

من ورشة محافظة بني سويف

ماذا تعلمت؟
السلام يحتاج إلى القدرة على الصمود وقت الأزمات، والتعلم منها، قبل البدء من جديد.
بعد أكثر من 15 عاما، ربما كان أهم ما تعلمته أن السلام ليس مكانًا نصل إليه في نهاية الرحلة، ولكنه الطريقة التي نحاول أن نسير بها.
ومع كل تجربة، ما زلت أتعلم شيئًا جديدًا عن السلام، وعن الناس، وعن نفسي.